إحراجات الواقع ... وإدانة الأجوبة القديمة
إحراجات الواقع ... وإدانة الأجوبة القديمة
جريدة الحياة 2 يناير 2012
فهد سليمان الشقيران
أكثر الأحداث خصوبةً من حيث انكعاسها على المعرفة، هي الأحداث الأوروبية ومن ثم الأميركية. إذ سرعان ما تتحول الإحراجات الواقعية إلى مستندات لإدانة الأجوبة القائمة وفتح الأسئلة الحيوية في المجالات السياسية والاقتصادية والفلسفية. يلغي الحدث فعالية ترسانةٍ من المفاهيم، ومن ثم يولّد بدائل من المفاهيم الفعّالة التي تحتفظ بطاقةٍ جديدة يمكنها أن ترسم دروباً أخرى للطريق الذي يسير عليه المجتمع. بعد ضربة 11 سبتمبر 2001 في أميركا فتحت نيران الأسئلة على النظام الاجتماعي والسياسي الأميركي، وبدأت رحلة البحث عن صيغٍ جديدة لا للقضاء على "الأعداء" وإنما للتخلص من المفاهيم التي تعطّلت والتي تسببت بتكلس النظامين الاقتصادي والسياسي.
صرخة "آلان تورين" في كتابه:"براديغما جديدة لفهم عالم اليوم" كانت صادمةً، وكانت ضربة سبتمبر من أوائل الأحداث التي تطرق إلى آثارها على المجتمع الأميركي تحديداً، ثم خاض المغامرة الجميلة في كتابه باحثاً عن معايير وصيغ للتأسيس لواقع اقتصادي وعالمي جديد، فالحدث لا ينذر بوجود عدوانٍ خارجي فقط، بل ينذر أولاً بتكلسٍ في المفاهيم التي كانت فعّالة في المجتمع ومن ثم تعطّلت أو أخفقت، هكذا جاء الكتاب الثري بتحليلاته التي يعدّل فيها على ثنائيات علم الاجتماع، بل ويحاول تدمير الحدود بين علم الاجتماع والثقافة باحثاً عن أدواتٍ ومفاهيم جديدة للاشتغال والنقد والتشخيص.
يخلص آلان تورين إلى أننا:"لبثنا فترةً طويلة نتوسل، في وصفنا وتحليلنا الواقع الاجتماعي، مصطلحاتٍ سياسية، كالفوضى والنظام، والسلام والحرب، والسلطة والدولة، والملك والأمة والجمهورية، والشعب والثورة ... أما اليوم وبعد انقضاء قرنين على انتصار الاقتصاد على السياسة، فقد باتت هذه المقولات "الاجتماعية" مبهمة، تترك في الظل قسماً كبيراً من تجربتنا المعاشة، وبتنا معها بحاجةٍ إلى براديغما جديدة، لأنه لم يعد في وسعنا العودة إلى البراديغما السياسية، لاسيما وأن القضايا الثقافية بلغت من الأهمية حداً يفرض على الفكر الانتظام حولها".
تحولات المجتمع بعد طغيان الفردانية جعل آلان تورين يتساءل عن جدوى المقولات الاجتماعية، التي باتت غير فعالة. مع تضخم عزلة الفرد عن المجتمع، لم تعد ثمة كيانات اجتماعية يمكنها أن تكون صالحةً لمصطلحات علم الاجتماع الذي لم يؤسس لنمطٍ علمي لتناول الفرد، من هنا يعتبر تورين أن "المجتمع صار غير اجتماعي" ويحاول أن يبدل من المعايير التي ننطلق منها في فهم الحياة الاجتماعية والشخصية".
اختار آلان تورين حدث سبتمبر في أميركا لمناقشة وفحص واختبار مفاهيم كثيرة، من بينها مفهوم "السوسيولوجيا" نفسه، ليقول:"من المستحيل العيش من دون البحث عن أجوبةٍ لما نرزح تحت وطأته من تهديداتٍ وللتحولات التي جعلتنا ننتقل من نمطٍ مجتمعيٍ إلى آخر". ثم يحاسب الدور الذي قامت به النظريات التي انطلقت من التحليل الاجتماعي، والتي لم تكن إلا استكمالاً للعالم السياسي الذي سيطر علينا ردحاً طويلاً من الزمن، بدءاً بميكافيللي وانتهاءً بتوكفيل، مرورا بهوبز ولوك. أحداث 11 سبتمبر 2001 كانت شرارة هذه الضربة من آلان تورين لحقول علم الاجتماع بأنماطها التقليدية ، وهذه هي قيمة الحدث حين يأتي بمجتمعٍ توّاق إلى إيجاد معنىٍ للحدث المعاش. حضرت في كتابه: أسئلة القطيعة بين أوروبا وأميركا وأسئلة العولمة وانشطار المجتمعات، وزوال الدولة القومية في أوروبا، وأسئلة الاتحاد الأوروبي، وصولاً إلى نهاية المجتمعات وتوديعه للمجتمع، مناقشاً العودة إلى الذات والفردانية المحررة.
(آلان تورين)
هذه الأحداث العربية الحالية تعبر عن نهايات لأشياء، وبدايات لأشياء، لم نناقشها حتى الآن، حتى المؤتمرات الثقافية بضيوفها الذين يصل عددهم إلى "الألف" لم يدخل في تخوم الأسئلة المحورية التي يطرحونها مشاهد الغضب العربية، هل هي أحداث تصنع أفقاً لنخرج من هذه الأنفاق؟
في نص شاعري وبليغ يكتب آلان تورين:"في كل مرةٍ تتبدل نظرتنا إلى ذواتنا وبيئتنا وتاريخنا، نشعر أن العالم القديم تحول إلى أنقاضٍ وليس في الأفق ما ينبئ بالحلول مكانه، ذلك ما نشعر به اليوم، لكننا سنحاول كما فعلنا سابقاً إنشاء تصور جديد للحياة الاجتماعية يخوّلنا من الإفلات من الشعور المقلق بفقدان كل معنى".
حين دخل نابليون إلى مصر 1798 كان الحدث صاعقاً، لكن كانت الحيوية الثقافية آنذاك والفكرية أنشط بكثير لبراءتها من دنس الأيديولوجيا الطاغي الذي يهيمن حالياً، ومن ثم تدحرجت كرة ثلج ذلك الحدث لتبلغ ذروة إنتاج الأسئلة والبحث مع عصر "النهضة" -الذي صار "ماضياً" للأسف- بلغت الذروة في القرن التاسع عشر مع محمد عبده والكواكبي والطهطاوي وصولاً إلى طه حسين الذي تعرض لأول ضربة أصولية جعلته يحني رأسه للحملة الشرسة ويهذب كتابه :"في الشعر الجاهلي". لتغلق بعدها الأسئلة والأجوبة، وتصبح المشاريع الناقدة للتراث بكل ثرائها تتحاشى الدخول إلى الأسئلة أو إنتاج أسئلةٍ محرجة، إلا ضمن نطاقٍ محدود، بل وصل بعض من ينتمي إلى الفكر والنقد إلى حد تملّق المتطرفين وطلب الاعتراف منهم. باتت المعاني التي يمكن أن تنتجها الأحداث مفقودة، لأن الإجابات الجاهزة دمرت الأدمغة وألغت كل أحاسيس التوق إلى الأسئلة، فلم نطور المعاني الثقافية والفكرية والدينية والفنية، بل بقينا أسرى المشاهدة، نشاهد عالمنا الذي هو جزء منا من دون أن نتدخل معرفياً لدراسته.
التشكلات الجديدة تعيدنا إلى ذكريات المدن التاريخية الأولى، وكما أن العولمة لم تلغ تحديات المدن "الخوف، والحرب، والعنف" فإن "نهاية أحد العوالم لا يعني نهاية العالم" هكذا كتب تورين في بحثه الحثيث عن "براديغما" جديدة لتشخيص ما هو مشاهد لإيجاد معنىً له لطمأنة النفس من غموض الحدث وحفر الدرب النيّر للخروج من المآزق.




0 تعليقات:
إرسال تعليق
الاشتراك في تعليقات الرسالة [Atom]
<< الصفحة الرئيسية